السيد هاشم البحراني

580

البرهان في تفسير القرآن

يا أبا جعفر ، جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها ، وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس ، فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر ؟ فقال له أبو جعفر ( عليه السلام ) : « ما ذاك ؟ » . قال : إني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه ، فإن بعض من سألته قال : القدر ، وقال بعضهم : القلم ، وقال بعضهم : الروح ؟ فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : « ما قالوا شيئا ، أخبرك أن الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره ، وكان عزيزا ولا أحد كان قبل عزه ، وذلك قوله تعالى : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * « 1 » ، وكان الخالق قبل المخلوق ، ولو كان أول ما خلق الله من خلقه الشيء من الشيء إذن لم يكن له انقطاع أبدا ، ولم يزل إذن ومعه شيء ليس هو يتقدمه ، ولكن كان إذ لا شيء غيره ، وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء الذي خلق الأشياء منه ، فجعل نسب كل شيء إلى الماء ، ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه ، وخلق الريح من الماء ثم سلط الريح على الماء ، فشققت الريح متن الماء حتى ثار من متن الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور ، فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ، ليس فيها صدع ولا ثقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة ، ثم طواها فوضعها فوق الماء ، ثم خلق الله النار من الماء ، فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور ، فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ، ليس فيها صدع ولا ثقب ، وذلك قوله تعالى : السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها « 2 » قال : ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب ، ثم طواها فوضعها فوق الأرض ، ثم نسب الخلقتين ، فرفع السماء قبل دحو « 3 » الأرض ، فذلك قوله عز ذكره : والأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها « 4 » يقول : بسطها » . والحديث طويل تقدم بطوله في قوله تعالى : وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) * من سورة الأنبياء « 5 » .

--> ( 1 ) الصافات 37 : 180 . ( 2 ) النازعات 79 : 27 - 29 . ( 3 ) ( دحو ) ليس في « ج » والمصدر . ( 4 ) النازعات 79 : 30 . ( 5 ) تقدّم في الحديث ( 1 ) من تفسير الآية ( 30 ) من سورة الأنبياء .